الشيخ حسن أيوب

112

الحديث في علوم القرآن والحديث

ظاهرا للبداء ، وتقريرا لكون النسخ تبديلا في حقنا ، وبيانا محضا في حق صاحب الشرع . الفرق بين النسخ والتخصيص قد عرفنا النسخ بأنه : رفع الحكم الشرعي بدليل شرعي ، وقد عرّفوا التخصيص بأنه : قصر العام على بعض أفراده ، وبالنظر في هذين التعريفين نلاحظ أن هناك تشابها قويّا بين المعرفين ، فالنسخ فيه ما يشبه تخصيص الحكم ببعض الأزمان ، والتخصيص فيه ما يشبه رفع الحكم عن بعض الأفراد ، ومن هذا التشابه وقع بعض العلماء في الاشتباه فمنهم من أنكر وقوع النسخ في الشريعة ، زاعما أن كل ما نسميه نحن نسخا فهو تخصيص ، ومنهم من أدخل صورا من التخصيص في باب النسخ ، فزاد بسبب ذلك في عداد المنسوخات من غير موجب . لهذا نقيم لك فروقا سبعة بين النسخ والتخصيص ، تهديك في ظلمات هذا الاشتباه وتعصمك من أن تتورط فيما تورط فيه سواك : أولها : أن العام بعد تخصيصه مجاز ، لأن مدلوله وقتئذ بعض أفراده ، مع أن لفظه موضوع للكل ، والقرينة هي المخصص ، وكل ما كان كذلك فهو مجاز ، أما النص المنسوخ فما زال كما كان مستعملا فيما وضع له ، غايته أن الناسخ دلّ على أن إرادة اللّه تعلقت أزلا باستمرار هذا الحكم إلى وقت معين ، وإن كان النص المنسوخ متناولا جميع الأزمان ، ويظهر ذلك جليّا فيما إذا قال الشارع مثلا : افعلوا كذا أبدا ، ثم نسخه بعد زمن قصير ، فإنه لا يعقل أن يكون مدلوله ذلك الزمن القصير دون غيره ، بل هو ما زال كما كان مستعملا في جميع الأزمان نصّا ؛ بدليل قوله : « أبدا » غير أن العمل بهذا النص الشامل لجميع الأزمان لفظا قد أبطله الناسخ ؛ لأن استمرار العمل بالنص مشروط بعدم ورود ناسخ ينسخه ، أيّا كان ذلك النص وأيّا كان ناسخه . فإن سأل سائل : ما حكمة تأبيد النص لفظا ، بينما هو مؤقت في علم اللّه أزلا ؟ أجبناه بأن حكمته ابتلاء اللّه لعباده : أيرضخون لحكمه مع تأبيده عليهم هذا التأبيد الظاهري أم لا ؟ فإذا ماز اللّه الخبيث من الطيب ، والمطمئن إلى حكمه من المتمرد عليه ، جاء النسخ لحكمة أخرى من التخفيف ونحوه . ثانيها : أن حكم ما خرج بالتخصيص لم يكن مرادا من العامّ أصلا ، بخلاف ما خرج بالنسخ ، فإنه كان مرادا من المنسوخ لفظا . ثالثها : أن التخصيص لا يتأتى أن يأتي على الأمر لمأمور واحد ، ولا على النهي لمنهي